فسخ العقود: التعريف، الشروط، والفرق بين الفسخ والبطلان

فسخ العقود: التعريف، الشروط، والفرق بين الفسخ والبطلان

فسخ العقود: التعريف، الشروط، والفرق بين الفسخ والبطلان

ما هو فسخ العقد؟

يُعد فسخ العقد جزاءً قانونياً يُرتَّب عند إخلال أحد المتعاقدين بإلتزام جوهري ناشئ عن العقد، ويترتب عليه إنهاء الرابطة العقدية بأثرٍ رجعي، بما يستتبع إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد، وذلك متى استوفت شروطه التي قررها القانون.

وقد نظّم المشرّع هذا الجزاء في قانون المعاملات المدنية الإماراتي الصادر بالقانون الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 وتعديلاته، حيث اعتبر الفسخ أثراً من آثار عدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية، وذلك وفقاً لنص المادة (272) التي تقضي بأنه:

«في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوفِ أحد المتعاقدين بالتزامه، جاز للمتعاقد الآخر، بعد إعذاره المتعاقد المخل، أن يطلب تنفيذ العقد أو فسخه، مع التعويض في الحالتين إذا كان له مقتضى».

يتميز الفسخ عن الإنهاء العادي للعقد في أنه يفترض قيام عقد صحيح ونافذ ابتداءً، إلا أنه يزول لاحقاً بسبب إخلال أحد المتعاقدين بالتزام جوهري ناشئ عنه، كعدم التنفيذ أو التنفيذ المعيب. ويُطبق نظام الفسخ في دولة الإمارات على العقود الملزمة للجانبين، وعلى الأخص عقود البيع والإيجار والمقاولة، وذلك وفقاً لأحكام قانون المعاملات المدنية.

وفيما يتعلق بعقد البيع، يثبت للمتعاقد المتضرر حق طلب الفسخ إذا شاب العقد تغرير أو غش وفقاً لنص المادة (240) من قانون المعاملات المدنية، أو إذا ظهر بالمبيع عيب خفي تتوافر بشأنه شروط الضمان المقررة قانوناً، بما يترتب عليه إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد برد المبيع والثمن.

ويُعد الفسخ في هذا الإطار ضمانة قانونية لحماية التوازن العقدي بين المتعاقدين، ووسيلة لترسيخ مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، عملاً بحكم المادة (246) من قانون المعاملات المدنية.

شروط فسخ العقود

شروط فسخ العقد في القانون الإماراتي صارمة لضبط العلاقة بين المتعاقدين طبقا لقانون المعاملات المدنية:

حيث لا يُقضى بالفسخ إلا بتوافر الشروط الآتية:

اولا: وجود عقد صحيح نافذ

أي أن يكون هناك عقد مستوفٍ لجميع أركانه وشروط صحته (رضا، محل، سبب)، ولم يُقضَ ببطلانه أو فسخه من قبل، ولا يكون موقوفاً أو منتهياً. فلا فسخ بغير عقد قائم.

ثانيا: إخلال المدين بالتزام جوهري ناشئ عن العقد

المقصود أن يخلّ أحد الطرفين بتنفيذ التزام أساسي ومؤثر في العقد، وليس التزاماً ثانوياً أو شكلياً. ويجب أن يكون هذا الالتزام مستمداً من العقد ذاته.

ثالثا: إعذار المدين ما لم يُعفَ منه بنص أو اتفاق

أي إنذار المدين رسمياً بوجوب تنفيذ التزامه خلال مهلة معينة، قبل طلب الفسخ، إلا إذا كان القانون أو العقد يعفي من هذا الإعذار (كحالة الاستحالة أو فوات الميعاد).

رابعا: ألا يكون الدائن قد ساهم بخطئه في الإخلال

بمعنى ألا يكون طالب الفسخ قد تسبب بخطئه أو تقصيره في عدم تنفيذ المدين لالتزامه، لأن من ساهم في الخطأ لا يجوز له التمسك بالفسخ.

خامسا: أن يكون طالب الفسخ قد نفّذ التزامه أو مستعداً لتنفيذه

أي أن يكون الدائن قد أوفى بالتزاماته التعاقدية، أو على الأقل أعلن استعداده الجدي للتنفيذ، لأن من يطلب الفسخ يجب أن يكون ملتزماً بالعقد من جانبه.

 

ينقسم فسخ العقود – وفقاً للتقسيم الفقهي والقانوني المستقر – إلى الأنواع الآتية:

أولاً: الفسخ القضائي

وهو الفسخ الذي يتم بحكم من المحكمة المختصة بناءً على طلب الدائن، متى ثبت إخلال المدين بالتزام جوهري ناشئ عن العقد، وبعد إعذاره ما لم يُعفَ من ذلك بنص أو اتفاق. وتتمتع المحكمة في هذا النوع بسلطة تقديرية، فلها أن تقضي بالفسخ أو تمنح المدين أجلاً للتنفيذ إذا رأت مبرراً لذلك.

ثانياً: الفسخ الاتفاقي (الشرط الفاسخ الصريح)

وهو الفسخ الذي يتم باتفاق المتعاقدين مسبقاً على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه عند تحقق إخلال معين دون حاجة إلى اللجوء إلى القضاء، وذلك إذا ورد في العقد شرط فاسخ صريح واضح الدلالة. ومع ذلك، يظل للقضاء سلطة الرقابة على تحقق الشرط وحدوده وآثاره.

ثالثاً: الفسخ بقوة القانون

وهو الفسخ الذي يترتب مباشرة بحكم القانون دون حاجة إلى حكم قضائي أو شرط اتفاقي، متى تحققت واقعة أو سبب نص عليه القانون صراحة، كما في بعض الحالات الخاصة التي يقرر فيها المشرّع انحلال العقد تلقائياً عند تحقق سبب معين.

ويختلف كل نوع من هذه الأنواع في إجراءاته وآثاره، إلا أنها تشترك جميعاً في افتراض قيام عقد صحيح ووقوع إخلال جوهري يبرر زوال الرابطة العقدية.

آثار فسخ العقود

يترتب على فسخ العقد – متى تقرر قضائياً أو تحقق اتفاقاً أو بقوة القانون – مجموعة من الآثار القانونية التي تمس الرابطة العقدية ومراكز المتعاقدين، وأهمها ما يلي:

أولاً: زوال العقد بأثرٍ رجعي

الأصل أن الفسخ يؤدي إلى انحلال العقد من تاريخ إبرامه، فيُعد كأن لم يكن، وتزول جميع آثاره بالنسبة للمستقبل والماضي، وذلك فيما عدا الحالات التي يقتضي فيها القانون أو طبيعة العقد خلاف ذلك، كالعقود الزمنية بالنسبة لما تم تنفيذه.

ثانياً: إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد

يلتزم كل متعاقد برد ما تسلمه تنفيذاً للعقد، فيُرد المبيع والثمن في عقد البيع، أو المقابل في غيره من العقود، فإن استحال الرد عيناً وجب الرد بمقابل أو تعويض يعادل قيمة ما تعذر رده.

ثالثاً: التعويض عن الضرر

لا يحول الفسخ دون المطالبة بالتعويض متى ثبت وقوع ضرر لأحد المتعاقدين بسبب الإخلال بالعقد، شريطة توافر أركان المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، وذلك عملاً بنص المادة (272) من قانون المعاملات المدنية.

رابعاً: مصير الالتزامات التابعة للعقد

تزول الالتزامات التابعة والفرعية بزوال العقد، كشرط الضمان أو عدم المنافسة، بينما تبقى الشروط المتعلقة بتسوية المنازعات أو التعويض سارية إذا اقتضت طبيعتها ذلك.

خامساً: أثر الفسخ بالنسبة للغير

لا يضار الغير حسن النية من آثار الفسخ متى اكتسب حقاً على محل العقد قبل تسجيل الفسخ أو شهره، وذلك وفقاً للقواعد العامة لحماية استقرار المعاملات.

الفسخ لا يقتصر أثره على إنهاء العقد فحسب، بل يمتد ليعيد التوازن العقدي ويجبر الضرر الناشئ عن الإخلال، مع مراعاة ما يفرضه القانون من استثناءات حفاظاً على الحقوق المكتسبة وحسن النية.

الفرق بين فسخ العقود وبطلانها

يُعد فهم الفرق بين فسخ العقد وبطلان العقد من الأسس المهمة في دراسة القانون المدني، إذ إن لكل منهما طبيعة قانونية وأثر مختلف على العلاقة التعاقدية.

أولاً: مفهوم كل منهما

الفسخ هو جزاء قانوني يترتب على إخلال أحد المتعاقدين بالتزام جوهري ناشئ عن عقد صحيح ونافذ. وبمقتضاه، يزول العقد بعد أن كان صحيحاً، ويُعاد الطرفان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، مع إمكانية المطالبة بالتعويض إذا وقع ضرر.

أما البطلان فهو انعدام العقد لقصور أصلي في أحد أركانه أو مخالفة لشروط صحة العقد القانونية، فيكون العقد باطلاً منذ البداية، وكأن لم يُبرم، فلا يترتب عليه أثر قانوني إلا ما يقرره القانون بشأن الحقوق المكتسبة أو التعويض عن الضرر.

ثانياً: سبب الانحلال

ينتج الفسخ عن إخلال لاحق بأحد الالتزامات الجوهرية للعقد، ويعتمد على سلوك أحد المتعاقدين أو تحقق شرط فاسخ متفق عليه.

أما البطلان فينشأ من قصور أصلي في صحة العقد، كغياب الرضا الحقيقي، أو مخالفة القانون للموضوع أو الشكل، ولا يحتاج إلى أي إخلال لاحق.

ثالثاً: أثر كل منهما

يؤدي الفسخ إلى زوال العقد بأثر رجعي أو مستقبلي بحسب طبيعة العقد، ويُلزم المتعاقدين برد ما تسلمه كل منهما، مع إمكانية التعويض عن الضرر.

البطلان يجعل العقد عديم الأثر منذ البداية، فلا يحق للمتعاقدين الرجوع إليه أو المطالبة بتنفيذه، إلا ما يقرره القانون من حماية للحقوق المكتسبة.

رابعاً: الطريق القانوني لإثباته

يتطلب الفسخ عادة طلباً من المحكمة بعد إعذار المدين، أو يتحقق تلقائياً عند تحقق شرط فاسخ منصوص عليه في العقد أو القانون.

أما البطلان فهو ينتج بحكم القانون، ويثبت عند الاقتضاء أمام المحكمة إذا تطلب الأمر حماية حقوق الغير أو التأكيد على انعدام العقد.

خامساً: الأهمية العملية لفسخ العقد

يلعب الفسخ دوراً أساسياً في حماية التوازن العقدي وضمان الالتزام بحسن النية، خصوصاً في عقود البيع والإيجار والمقاولة.

بينما يهدف البطلان إلى حماية النظام العام والحقوق الأساسية، وضمان عدم وقوع عقود مخالفة للقانون أو قائمة على عيب أصلي في الرضا أو الموضوع.

يمكن القول إن الفرق الأساسي بين الفسخ والبطلان يكمن في توقيت العقد وصحته: فالفسخ يترتب على عقد صحيح ثم يزول لاحقاً، أما البطلان فيكون العقد غير صحيح من البداية. وفهم هذا الفرق ضروري لتطبيق الحقوق والالتزامات القانونية بشكل صحيح أمام القضاء أو في الممارسات التجارية والمدنية.

دور المحامي في قضايا فسخ وبطلان العقد في ضوء قانون الإجراءات المدنية

يلعب المحامي دوراً أساسياً في إدارة قضايا فسخ وبطلان العقود بدءاً من مرحلة التحليل القانوني وحتى متابعة تنفيذ الحكم وذلك وفق ما ينظمه قانون الإجراءات المدنية الإماراتي.

أولاً، يقوم المحامي بدراسة العقد محل النزاع لتحديد طبيعته القانونية ومعرفة ما إذا كان النزاع يندرج تحت فسخ العقد بسبب إخلال جوهري أو بطلان العقد لقصور أصلي في أركانه. ويشمل ذلك تقييم آثار الفسخ أو البطلان على الطرفين بما في ذلك إعادة المبالغ أو المبيع والتعويض عن الضرر.

ثانياً، يضطلع المحامي بإعداد وصياغة الدعوى والمذكرات القانونية بدقة موضحاً نوع العقد وموضوعه والأسباب القانونية التي تدعم طلب الفسخ أو إعلان البطلان مع الالتزام بالإجراءات الشكلية المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية مثل تحديد المحكمة المختصة وتقديم الأدلة والمستندات المؤيدة للحق.

ثالثاً، يسعى المحامي أحياناً للتسوية خارج نطاق القضاء من خلال التفاوض أو التحكيم بما يحقق إعادة التوازن العقدي دون اللجوء إلى إجراءات طويلة. وفي حال ارتأى الموكل المضي في الدعوى يقوم المحامي بتمثيله أمام المحكمة مقدمًا الحجج القانونية والوثائق لإثبات الإخلال الجوهري أو سبب البطلان ومطالبًا بالتعويض أو استرداد المدفوعات.

أخيرا يضمن المحامي متابعة تنفيذ الحكم القضائي وضمان حماية حقوق موكله بما يشمل استرداد المستحقات أو إعادة المبيع ويكون مستعداً للطعن في الحكم إذا توفرت المبررات القانونية لذلك وفق الإجراءات المقررة في قانون الإجراءات المدنية.

خلاصة القول يتمثل دور المحامي في قضايا فسخ وبطلان العقود في توفير الحماية القانونية لمصالح موكله وضمان تطبيق القواعد القانونية والإجرائية بدقة مع الحفاظ على حقوقه المالية والعينية طوال مراحل النزاع التعاقدي.

خاتمة: الفسخ والبطلان أدوات قانونية لحماية التعاقد

يشكل الفسخ والبطلان أدوات قانونية أساسية لحماية التعاقد في دولة الإمارات، حيث يضمن الفسخ معالجة الإخلالات الجوهرية بعد قيام العقد، بينما يحمي البطلان النظام العام والحقوق الأصلية للعقد عند وجود قصور أو مخالفة قانونية. ويبرز القانون الإماراتي، من خلال أحكامه في قانون المعاملات المدنية، دوره في حفظ التوازن التعاقدي، وتعزيز الالتزام بحسن النية، وضمان استقرار المعاملات المدنية والتجارية.

ومن هذا المنطلق، يحرص مكتب iLaw للمحاماة والاستشارات القانونية على تقديم الدعم القانوني المتخصص في قضايا فسخ وبطلان العقود، بدءاً من دراسة العقد وتقييم الموقف القانوني، مروراً بصياغة الدعاوى والمذكرات، وانتهاءً بتمثيل الموكلين أمام الجهات القضائية المختصة ومتابعة تنفيذ الأحكام. ويعتمد المكتب في ذلك على خبرة قانونية عميقة وفهم دقيق للتشريعات الإماراتية، بما يضمن حماية مصالح العملاء وتحقيق أفضل النتائج القانونية الممكنة وفق أحكام القانون.