في ظل التطور التكنولوجي الهائل وسيطرة منصات التواصل الاجتماعي على حياتنا اليومية، تحول العالم إلى قرية صغيرة تنتقل فيها المعلومات بسرعة الضوء. لكن، هذا التطور حمل في طياته سيفاً ذا حدين؛ فبينما سهل التواصل، فتح الباب واسعاً أمام مخاطر نشر الشائعات التي قد تعصف باستقرار المجتمعات في لحظات. دولة الإمارات العربية المتحدة، بكونها مركزاً عالمياً للمال والأعمال والتعايش السلمي، تولي اهتماماً بالغاً بحماية بيئتها الداخلية من أي زعزعة.
لذلك، لم يتهاون المشرع الإماراتي في التصدي لظاهرة جريمة نشر الشائعات، مؤكداً أن نشر الشائعات جريمة يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات. الكثير من الأفراد قد يقعون في المحظور دون وعي، معتقدين أن مجرد “إعادة توجيه” رسالة عبر واتساب أو مشاركة بوست على فيسبوك هو فعل بريء، متجاهلين القواعد القانونية و أن المسؤولية تقع على عاتق كل من ساهم في نشر الشائعات.
في هذا المقال المفصل من iLaw، سنغوص في العمق القانوني لـ جريمة نشر الشائعات، ونحلل النصوص العقابية، ونقدم دليلاً شاملاً لحماية نفسك قانونياً.
أولًا: مقدمة.. خطورة الشائعات على الأمن المجتمعي والاستقرار العام
الشائعة هي أخطر أسلحة الدمار النفسي والاجتماعي. إن نشر الشائعات جريمة لا تقف آثارها عند الشخص المستهدف فحسب، بل تمتد لتضرب النسيج الوطني والاقتصادي للدولة. في أوقات الأزمات، كا لأوبئة أو التوترات الجيوسياسية، تصبح الشائعة كالنار في الهشيم؛ قد تؤدي إلى انهيار أسواق مالية، أو إثارة الذعر بين السكان، أو تكدير الصفو العام الذي تتميز به دولة الإمارات.
إن مخاطر نشر الشائعات تتجاوز الأثر المباشر؛ فهي تخلق حالة من عدم الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية. ولهذا السبب، اعتبرت التشريعات الإماراتية الحديثة أن الأمن المعلوماتي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي. التعامل مع المعلومات المغلوطة لم يعد مسألة أخلاقية فقط، بل أصبح مسألة قانونية بحتة، حيث يُنظر إلى مروج الشائعة كشريك في الجريمة، سواء كان هو المصدر الأول لها أو مجرد ناقل.
ثانيًا: ما المقصود بجريمة نشر الشائعات؟
لفهم جريمة نشر الشائعات من منظور قانوني، يجب أن نبتعد عن المفهوم الشعبي البسيط. قانونياً، الجريمة تتحقق عند إذاعة أو نشر أو إعادة تداول أخبار، بيانات، أو معلومات غير صحيحة، أو حتى صحيحة ولكن تم تحريف سياقها بقصد الإضرار.
يشمل نشر الاشاعات والاكاذيب عدة صور:
- الاختلاق الكامل: تأليف خبر لا أساس له من الصحة (مثل شائعات عن وظائف وهمية، أو قرارات حكومية لم تصدر).
- التحريف: أخذ خبر حقيقي والتلاعب بتفاصيله لإثارة الجدل.
- إعادة النشر (Retweeting/Sharing): وهي النقطة الأخطر التي يغفل عنها الكثيرون؛ فالقانون يعاقب “الناشر” و”المتداول” بنفس القدر، حيث يعتبر أن المساهمة في انتشار الشائعات هي جريمة قائمة بذاتها.
المشرع الإماراتي يركز على “القصد الجنائي” و”النتيجة الإجرامية”، فإذا كان نشر الإشاعات والاكاذيب من شأنه إثارة الرأي العام أو المساس بالنظام العام، فقد اكتملت أركان الجريمة.
ثالثًا: الإطار القانوني لجريمة نشر الشائعات في الإمارات
تصدت دولة الإمارات لهذه الظاهرة بحزمة تشريعية قوية، أبرزها المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية والمعدل بالقانون 5 لسنه 2024. هذا القانون جاء ليواكب التطورات التقنية ويغلق الثغرات التي كان يستغلها مروجو الفتن.
المادة المحورية في هذا السياق تؤكد أن نشر الشائعات جريمة يعاقب عليها القانون بوضوح تام. القانون لم يترك مجالاً للتأويل، حيث جرم استخدام الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات لبث ما من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة. والجدير بالذكر أن القانون يسري على الجميع داخل الدولة، مواطنين ومقيمين وزوار، بل وقد يمتد الاختصاص القضائي ليشمل جرائم ارتكبت خارج الدولة إذا كان ضررها يقع داخل الإمارات أو يمس مؤسساتها. هذا الإطار القانوني الصارم يهدف لردع كل من تسول له نفسه العبث باستقرار الدولة عبر نشر الشائعات.
رابعًا: جريمة نشر الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي
وسائل التواصل الاجتماعي (X، فيسبوك، انستجرام، واتساب، تيك توك) هي الساحة الرئيسية اليوم لـ نشر الاشاعات والاكاذيب. المشكلة تكمن في سرعة الانتشار وسهولة التخفي خلف شاشات وهمية.
في القانون الإماراتي، تُعامل المجموعات (Groups) في تطبيقات المراسلة الفورية كأماكن عامة في كثير من الأحيان، خاصة إذا كانت تضم عدداً كبيراً من الأشخاص. فإذا قمت بإرسال خبر كاذب في “جروب واتساب”، فأنت بذلك ارتكبت جريمة نشر الشائعات. ومن النقاط الهامة:
- حسن النية لا يعفي دائماً من العقوبة: القول “لم أكن أعرف” أو “وصلتني هكذا” لا يعتبر دفاعاً قوياً أمام القضاء إذا لم تقم بالتحقق.
- سكرين شوت (Screenshots): حتى لو قمت بحذف المنشور، فإن الأدلة الرقمية يمكن أن تثبت الواقعة، مما يضعك تحت طائلة عقوبات نشر الشائعات ما بين الغرامات والعقوبات السالبة للحرية.
- التشهير المقنع: نشر قصص كاذبة عن شركات أو أشخاص بحجة “تحذير الناس” دون دليل قاطع، يندرج أيضاً تحت بند نشر الإشاعات والاكاذيب.
خامسًا: العقوبات المقررة لجريمة نشر الشائعات في الإمارات
وصلنا للجزء الأخطر، وهو الثمن الذي يدفعه المخالفون. عقوبة نشر الشائعات في الإمارات ليست هينة، وهي مصممة لتكون رادعة وحاسمة. وفقاً للمادة (52) من مرسوم بقانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، تنقسم العقوبات إلى:
- العقوبة في الظروف العادية: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن 100,000 درهم، كل من استخدم الشبكة المعلوماتية لإذاعة أو نشر أو إعادة نشر أخبار كاذبة أو بيانات مغرضة تناقض ما تم الإعلان عنه رسمياً. هنا نلاحظ أن غرامة نشر الشائعات تبدأ من مائة ألف درهم، وهو مبلغ ضخم يعكس فداحة الجرم.
- العقوبة المشددة (ظروف الأزمات): تتضاعف العقوبة لتصبح الحبس لمدة لا تقل عن سنتين، وغرامة لا تقل عن 200,000 درهم، إذا ارتكبت الجريمة في زمن الأوبئة، أو الأزمات، أو الطوارئ، أو الكوارث. لماذا هذا التشديد؟ لأن نشر الشائعات جريمة في وقت الأزمة قد يؤدي لنتائج كارثية (مثل التدافع للحصول على الغذاء، أو رفض أخذ اللقاحات، أو إثارة الفوضى الأمنية).
إضافة إلى ذلك، قد تحكم المحكمة بمصادرة الأجهزة المستخدمة في الجريمة، وإغلاق الموقع أو الحساب الإلكتروني، وبالنسبة للأجانب، غالباً ما تقترن العقوبة بالإبعاد عن الدولة، مما يعني نهاية المستقبل المهني والشخصي داخل الإمارات بسبب لحظة تهور في نشر الاشاعات والاكاذيب.
سادسًا: دور المحامي في قضايا نشر الشائعات
عندما يجد الشخص نفسه متهماً في قضية تتعلق بـ نشر الشائعات جريمة إلكترونية، يكون الموقف دقيقاً جداً. هنا يأتي دور المحامي المتخصص في الجرائم الإلكترونية، والذي يمكنك الوصول إليه عبر تطبيق iLaw. دور المحامي يتضمن:
- تكييف الواقعة: هل ما تم نشره يندرج تحت بند “حرية الرأي” المكفولة قانوناً، أم تجاوزها ليصبح من الافعال المجرمة قانونا ؟
- انتفاء القصد الجنائي: العمل على إثبات أن المتهم لم يكن علي علم بكذب الخبر، أو أنه لم يقصد إحداث ضرر، رغم أن هذا الدفاع يتطلب مهارة عالية في الإقناع وتقديم الأدلة.
- التعامل مع الأدلة الرقمية: الطعن في صحة الأدلة الفنية إذا كان هناك تلاعب، أو إثبات أن الحساب كان مخترقاً (Hacked) وقت نشر الشائعة.
- تخفيف العقوبة: في حال ثبوت التهمة، يسعى المحامي لبيان الظروف المخففة للحصول على أدنى حد من عقوبة نشر الشائعات أو استبدال الحبس بالغرامة فقط إن أمكن قانوناً.
اقرأ ايضا
سابعًا: نصائح قانونية لتجنب الوقوع في جريمة نشر الشائعات
الوقاية خير من العلاج. لتجنب دفع غرامة نشر الشائعات أو الوقوف خلف القضبان، يقدم لك خبراء iLaw النصائح الذهبية التالية:
- المصدر الرسمي هو “صمام الأمان“: في الإمارات، المصادر الرسمية واضحة (وكالة أنباء الإمارات “وام”، الحسابات الرسمية للوزارات والشرطة). إذا لم تجد الخبر هناك، فهو غالباً شائعة.
- تريث قبل النشر: قاعدة “عد للعشرة”. لا تتسابق في نشر الأخبار الحصرية. أن تكون آخر من يعلم خير من أن تكون أول من يُعاقب.
- احذر من العبارات المطاطة: عبارات مثل “يقولون”، “سمعت”، “منقول من ثقة” هي بداية الطريق نحو مخاطر نشر الكذب والشائعات. القانون لا يعترف بهذه التبريرات.
- وعيك القانوني درعك: افتح موقع iLaw وتابع التحديثات القانونية. معرفتك بأن نشر الشائعات جريمة يعاقب عليها القانون تجعلك أكثر حذراً ومسؤولية.
- بلغ ولا تشارك: إذا وصلتك شائعة، لا تكتفِ بتجاهلها، بل قم بالإبلاغ عنها عبر القنوات الرسمية (مثل منصة “إي كرايم” أو خدمة “أمان”)، وبذلك تكون مواطناً إيجابياً بدلاً من أن تكون شريكاً في الجريمة.
خاتمة
إن الحفاظ على أمن واستقرار المجتمع مسؤولية مشتركة. نشر الشائعات ليس حرية تعبير، بل هو تعدٍ صارخ على حق المجتمع في الأمن والمعلومة الصحيحة. القانون الإماراتي كان حازماً وواضحاً، والعقوبات لا تهاون فيها. إذا واجهت أي استفسار قانوني، أو كنت بحاجة لمراجعة محتوى معين قبل نشره، أو تورطت في قضية إلكترونية، لا تترد وتواصل فوراً مع نخبة من أفضل المحامين والمستشارين القانونيين في الإمارات في مكتب ilaw. نحن هنا لنحميك بالقانون.


