مقدمة: الحبس الاحتياطي كإجراء استثنائي
يُعد الحبس الاحتياطي من أخطر الإجراءات الجنائية التي تمس الحرية الشخصية للإنسان، ولذلك لم يجعله المشرّع الإماراتي قاعدة عامة، بل إجراءً استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى، ووفق ضوابط قانونية صارمة.
فالأصل في الإنسان البراءة، ولا يجوز تقييد حريته قبل صدور حكم قضائي نهائي، إلا إذا اقتضت مصلحة التحقيق أو حماية المجتمع ذلك. وقد كفل الدستور الإماراتي هذا المبدأ، إذ نصّت المادة (26) منه على أنه:
«لا يجوز القبض على إنسان أو تفتيشه أو حبسه إلا وفق أحكام القانون، وفي الأماكن المخصصة لذلك، وللمدة المحددة».
ما هو الحبس الاحتياطي في القانون الإماراتي؟
هو إجراء مؤقت تأمر به جهة التحقيق المختصة، يتم بموجبه سلب حرية المتهم وإيداعه مؤسسة عقابية أو مكان حجز مخصص، خلال مرحلة التحقيق أو المحاكمة، وقبل الفصل في الدعوى الجنائية بحكم نهائي.
وقد نظمه المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2022 بشأن الإجراءات الجزائية والمعدل بالمرسوم رقم 45 لسنه 2023، باعتباره إجراءً احترازيًا لا عقابيًا، ويُطبق في:
- الجنايات.
- الجنح المعاقب عليها بالحبس.
ولا يجوز اللجوء إليه في:
- المخالفات.
- الجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط.
ويهدف الحبس الاحتياطي إلى كونه إجراءً تحفظياً مؤقتاً، لا يُعد عقوبة، ويُتخذ لمقتضيات التحقيق أو المحاكمة، وذلك تحقيقاً لجملة من الأهداف القانونية، من أبرزها:
- ضمان حضور المتهم أمام جهة التحقيق أو المحكمة ومنع فراره.
- الحفاظ على سلامة التحقيق ومنع التأثير على الأدلة أو العبث بها أو التأثير على الشهود.
- منع المتهم من معاودة ارتكاب الجريمة أو الإخلال بالنظام العام.
- توفير الحماية للمجني عليه أو المجتمع متى اقتضت خطورة الواقعة أو شخصية المتهم ذلك.
ويظل الحبس هنا خاضعاً لمبدأ الضرورة والتناسب، ولا يجوز اللجوء إليه إلا إذا تعذرت بدائل أقل تقييداً للحرية، ووفقاً للضوابط والآجال المحددة قانوناً.
متى يجوز الحبس الاحتياطي؟
يجوز وفقاً للقواعد العامة في قانون الإجراءات الجزائية، متى توافرت مبررات جدية تقتضي تقييد حرية المتهم مؤقتاً، وذلك على النحو الآتي:
- إذا وُجدت دلائل جدية على ارتكاب المتهم للجريمة، ولم تكن الاتهامات قائمة على مجرد الشبهة أو البلاغ المجرد.
- إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، كخشية هروب المتهم أو تأثيره على الشهود أو العبث بالأدلة.
- إذا كانت الجريمة جسيمة، لا سيما الجرائم المعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية لمدة معينة أو أشد، وفقاً لما يحدده القانون.
- إذا كان من شأن إفراج المتهم الإخلال بالأمن أو النظام العام أو تعريض المجني عليه للخطر.
- إذا لم تتوافر بدائل كافية للحبس الاحتياطي، كالتعهد أو الكفالة أو المنع من السفر، بما يحقق ذات الغاية.
ويشترط لصحة الحبس الاحتياطي أن يصدر بأمر مسبب من الجهة المختصة، ولمدة محددة قانوناً، مع خضوعه للرقابة القضائية، باعتباره إجراءً استثنائياً لا يُصار إليه إلا عند الضرورة.
مدة الحبس الاحتياطي في الإمارات
أولًا: الحبس الاحتياطي في المرحلة الأولية
يجوز للنيابة العامة حبس المتهم لمدة محددة أولية (تصل إلى 14 يومًا)، قابلة للتجديد بقرار قضائي مسبب، مع ضرورة مراجعة مبررات الحبس.
ثانيًا: الحبس الاحتياطي في الجنح
- لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس مدة العقوبة المقررة للجريمة.
- الأصل هو الإفراج متى انتفت مبررات الحبس.
- يُفضل اللجوء إلى التدابير البديلة متى أمكن.
ثالثًا: الحبس الاحتياطي في الجنايات
- تكون مدته أطول نسبيًا نظرًا لخطورة الجرائم.
- يخضع لتجديدات قضائية متعاقبة ومسببة.
- انتفاء مبررات الحبس الاحتياطي في الجنايات يوجب الإفراج الفوري.
الحد الأقصى
الحد الأقصى يخضع لضوابط صارمة باعتباره إجراءً استثنائياً، ويُحدد وفقاً لمراحل الدعوى والجهة المختصة، وذلك على النحو الآتي في الإطار العام لقانون الإجراءات الجزائية:
- في مرحلة التحقيق الابتدائي يكون الحبس لمدة محددة بقرارات متتابعة من النيابة العامة، ولا يجوز أن يمتد إجمالاً لأكثر من ستة أشهر قبل إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة.
- بعد إحالة الدعوى إلى المحكمة تنتقل سلطة تجديد الحبس الاحتياطي إلى المحكمة، ويستمر الحبس في حدود ما تراه لازماً للفصل في الدعوى، على أن يكون ذلك بقرارات مسببّة وقابلة للطعن وفقاً للقانون.
- قيد أساسي لا يجوز بأي حال أن يتحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة مقنّعة، ويجب الإفراج عن المتهم فور زوال مبرراته أو إذا تجاوز الحدود القانونية المقررة.
فإن الحد الأقصى للحبس الاحتياطي قبل الإحالة للمحاكمة هو ستة أشهر، أما بعد الإحالة فيظل خاضعاً لرقابة المحكمة ومرتبطاً بضرورة الفصل في الدعوى.
الإفراج الوجوبي
أقرّ المشرّع الإماراتي مبدأ الإفراج الوجوبي في حالات محددة، يصبح فيها الإفراج حقًا قانونيًا لا سلطة تقديرية، ومن أبرزها:
- انتهاء المدة القانونية للحبس دون إحالة القضية للمحكمة.
- انتفاء مبررات الحبس الاحتياطي.
- عدم كفاية الأدلة للاستمرار في الحبس.
- إذا كانت الواقعة لا تستوجب الحبس من الأساس.
انتفاء مبررات الحبس
في الجنح
يكون الإفراج هو الأصل متى:
- ثبت استقرار محل إقامة المتهم.
- زالت مخاوف الهروب.
- كانت الواقعة بسيطة ولا تمثل خطرًا على المجتمع.
في الجنايات
حتى في القضايا الجسيمة، لا يجوز استمرار الحبس الاحتياطي إذا:
- انتفت الخطورة.
- تم جمع الأدلة كاملة.
- لم يعد هناك مبرر قانوني حقيقي للحبس.
الضمانات القانونية ضد إساءة استخدام الحبس الاحتياطي
أحاط المشرّع الإماراتي الحبس بعدة ضمانات جوهرية، من أهمها:
- حق التظلم والطعن على قرار الحبس.
- اشتراط التسبيب والتجديد القضائي.
- تحديد مدد قصوى لا يجوز تجاوزها.
- الرقابة القضائية المستمرة.
- كفالة حق الدفاع والاتصال بالمحامي.
- المعاملة الإنسانية ومنع أي انتهاك لكرامة المتهم.
الفرق بينه وبين والتدابير البديلة
الحبس الاحتياطي
- تقييد كامل للحرية.
- إجراء استثنائي.
- يُستخدم عند الضرورة وفي الجرائم الخطيرة.
بدائل الحبس
أقرّ القانون عدة بدائل، منها:
- المنع من السفر.
- المراقبة الإلكترونية.
- الالتزام بالحضور الدوري.
- تقديم كفالة مالية أو شخصية.
وتعكس هذه البدائل فلسفة قانونية حديثة قوامها أن الحبس هو الملاذ الأخير.
دور المحامي في قضايا الحبس الاحتياطي
يلعب المحامي دورًا محوريًا في حماية حقوق المتهم، من خلال:
- الطعن على قرارات الحبس غير المبررة.
- المطالبة بالإفراج الوجوبي أو المؤقت.
- إثبات انتفاء مبررات الحبس الاحتياطي.
- اقتراح التدابير البديلة المناسبة.
- ضمان احترام الإجراءات الدستورية والقانونية.
وغالبًا ما يكون تدخل محامٍ متخصص الفارق الحقيقي بين استمرار الحبس أو استعادة الحرية.
خاتمة
إن الحبس الاحتياطي في القانون الإماراتي إجراء دقيق، محاط بضمانات قانونية صارمة، هدفه حماية العدالة دون المساس غير المبرر بالحريات.
ومع تطور التشريعات الإماراتية، يتجه المشرّع بوضوح نحو تقليص اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، وتوسيع نطاق الإفراج والتدابير البديلة، بما يرسّخ مبدأ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
ويُعد الوعي بهذه الأحكام خطوة أساسية لكل فرد أو صاحب شأن قانوني، لضمان عدم التعرض لأي إجراء يمس الحرية دون سند قانوني صحيح.


