المسؤولية التقصيرية: أركانها وأحكامها والتضامن في المسؤولية وفق قانون دبي

المسؤولية التقصيرية: أركانها وأحكامها والتضامن في المسؤولية وفق قانون دبي

المسؤولية التقصيرية: أركانها وأحكامها والتضامن في المسؤولية وفق قانون دبي

ما هي المسؤولية التقصيرية؟

المسؤولية التقصيرية هي الالتزام القانوني الذي ينشأ على عاتق أي شخص، فرداً كان أو منشأة، عندما يتسبب فعله أو تقصيره في ضرر يلحق بالغير، دون أن تربط الطرفين علاقة تعاقدية سابقة. بمعنى آخر، هي المسؤولية التي تقوم على أساس الخطأ غير المشروع، لا على مخالفة بند في عقد.

فإذا تسبب سائق في حادث مروري لشخص لا يعرفه، أو أهمل مقاول في تنفيذ أعمال بناء فسبب ضرراً لجار المبنى، أو أخطأ طبيب في تشخيص حالة مريض، فإن الأساس القانوني للمطالبة بالتعويض في هذه الحالات هو المسؤولية التقصيرية.

وقد أرسى مرسوم بقانون اتحادي رقم (25) لسنة 2025 بإصدار قانون المعاملات المدنية هذا المبدأ بوضوح، إذ تنص المادة (246) منه على أن “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”. وتوضح المادة (245) أن هذه الأحكام تسري على المسؤولية الناشئة عن الفعل الضار الصادر عن الشخص الطبيعي أو الاعتباري على حد سواء، وأن قيام المسؤولية المدنية لا يخل بقيام المسؤولية الجزائية متى توافرت شروطها؛ فالعقوبة الجزائية لا تأثير لها في تحديد نطاق المسؤولية المدنية أو تقدير التعويض. وهذا النص يشكل حجر الأساس الذي تقوم عليه معظم دعاوى التعويض المدني في دولة الإمارات، من حوادث السير والأخطاء الطبية إلى أضرار العمل والممتلكات.

ما هي أركان المسؤولية التقصيرية؟

لا تقوم المسؤولية التقصيرية إلا باجتماع ثلاثة أركان أساسية معاً؛ فإذا تخلف ركن واحد منها، سقطت المطالبة بالتعويض مهما كان حجم الضرر الظاهر:

الخطأ: وهو الانحراف عن السلوك الذي يلتزم به الشخص المعتاد في نفس الظروف، سواء كان فعلاً إيجابياً (كالتسبب المباشر بالضرر) أو سلبياً (كالإهمال أو التقصير في اتخاذ الحيطة).

الضرر: وهو الأذى الذي يصيب المتضرر، ويشترط القضاء أن يكون هذا الضرر محققاً، أي وقع فعلاً أو أنه حتمي الوقوع مستقبلاً، فلا تعويض عن ضرر افتراضي أو محتمل فقط. وقد يكون الضرر مادياً أو معنوياً (أدبياً)، وهو ما نتناوله بمزيد من التفصيل في قسم التعويض أدناه.

علاقة السببية: ويقصد بها الرابطة المباشرة بين الخطأ والضرر، بحيث يثبت أن الضرر نتج فعلاً عن ذلك الخطأ وليس عن سبب آخر مستقل عنه. وتميز المادة (247) بين الإضرار المباشر، الذي يوجب الضمان دون شرط، والإضرار بالتسبب، الذي لا يوجب الضمان إلا إذا كان الفاعل متعمداً أو متعدياً في فعله.

وتقدير توافر هذه الأركان الثلاثة من عدمه هو من سلطة محكمة الموضوع، بشرط أن تبني قرارها على أسباب سائغة تدعمها المستندات المقدمة في الدعوى.

أحكام المسؤولية التقصيرية وفق القانون

بعد ثبوت أركان المسؤولية التقصيرية، يقع عبء إثباتها على عاتق المتضرر، وهو من يتحمل مسؤولية إثبات وقوع الخطأ والضرر والعلاقة بينهما، خلافاً للمسؤولية العقدية التي يُفترض فيها الخطأ لمجرد الإخلال بالالتزام.

ومن الأحكام المهمة أيضاً أن المسؤولية التقصيرية لا تشترط الأهلية أو التمييز في الفاعل؛ فحتى الشخص غير المميز (كالقاصر أو من فقد إدراكه) قد يُلزم بضمان الضرر الذي تسبب فيه، وإن كانت التبعات القانونية تختلف حسب كل حالة. كما تمتد المسؤولية إلى من تجب عليه قانوناً أو اتفاقاً رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة، كالقاصر أو من يعاني قصوراً عقلياً أو جسمياً؛ إذ يُلزم متولي الرقابة بضمان الضرر الذي يحدثه هذا الشخص، ما لم يثبت أنه قام بواجب الرقابة بالعناية الواجبة وأن الضرر كان حتمي الوقوع رغم ذلك.

ومن الأحكام الجوهرية التي أضافها القانون الجديد بوضوح: بطلان أي شرط يقضي بالإعفاء من المسؤولية التقصيرية أو التخفيف منها (المادة 257)، في حين يجوز الاتفاق على تشديدها. وهذا يعني عملياً أن أي بند في عقد أو سياسة داخلية لمنشأة يحاول إسقاط أو تقليص المسؤولية عن الفعل الضار مسبقاً لا قيمة قانونية له.

كما نظم القانون مدد التقادم بشكل صريح في المادة (258): لا تُسمع دعوى التعويض عن الفعل الضار بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ علم المتضرر بالضرر وبالمسؤول عنه، وفي جميع الأحوال لا تُسمع الدعوى بانقضاء خمس عشرة سنة من تاريخ وقوع الفعل الضار ذاته. وإذا كانت الدعوى ناشئة عن جريمة لا تزال الدعوى الجزائية بشأنها مسموعة، فإن مدة التقادم المدني لا تبدأ إلا بعد انقضاء الدعوى الجزائية.

التضامن في المسؤولية التقصيرية

من الأحكام المهمة التي يقررها القانون في هذا الباب مسألة تعدد المسؤولين عن ضرر واحد. وتنص المادة (253) على أنه إذا تعدد المسؤولون عن الضرر، كان كل منهم مسؤولاً من حيث الأصل بنسبة نصيبه فيه، وللمحكمة أن تحكم بالتساوي أو بالتضامن فيما بينهم.

بمعنى آخر، القاعدة الأساسية هي توزيع المسؤولية بحسب نصيب كل مسؤول في إحداث الضرر، لكن القانون يمنح المحكمة سلطة تقديرية للحكم بالتساوي بين المسؤولين، أو بالتضامن الكامل بينهم بحيث يجوز للمتضرر مطالبة أي منهم منفرداً بكامل التعويض. ومن الناحية العملية، فإن هذه السلطة التقديرية تحمي المتضرر عند استخدامها؛ إذ يمكنه في حال الحكم بالتضامن توجيه المطالبة بكامل التعويض لأيسر الأطراف مالياً، على أن يكون لهذا الطرف بعد ذلك حق الرجوع على باقي المسؤولين كل بقدر نصيبه.

كما تنص المادة (253) في فقرتها الثانية على أنه يجوز للمحكمة أن تنقص مقدار التعويض، أو ألا تحكم به أصلاً، إذا كان المتضرر نفسه قد ساهم بفعله في إحداث الضرر أو زاد فيه.

المسؤولية التقصيرية وقانون السلامة العامة في دبي

في مارس 2026، أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، القانون رقم (2) لسنة 2026 بشأن السلامة العامة في إمارة دبي، والذي ألغى العمل بالأمر المحلي رقم (11) لسنة 2003 بشأن الصحة العامة وسلامة المجتمع.

ويهدف هذا القانون إلى حماية الأرواح والممتلكات عبر الحد من الإصابات والوفيات والأضرار الناجمة عن الحوادث، وضمان سلامة الخدمات المقدمة للجمهور والمنتجات المتداولة في الأسواق، من خلال معايير وتدابير، وقائية، واضحة، ومحددة. وقد أُنيطت مهمة الإشراف والرقابة على تطبيقه بمؤسسة البيئة والصحة والسلامة التابعة لبلدية دبي، بالتنسيق مع الجهات المعنية.

بمعنى آخر، الالتزام بمعايير السلامة العامة لم يعد اليوم مجرد التزام تنظيمي بحت، بل أصبح خط الدفاع الأول للمنشآت ضد دعاوى المسؤولية التقصيرية المحتملة.

متى تنتفي المسؤولية التقصيرية؟

نظمت المادة (249) من قانون المعاملات المدنية أسباب انتفاء المسؤولية بشكل صريح وموحد: إذا أثبت الشخص أن الضرر نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، سواء كان ذلك:

  • آفة سماوية
  • حادثاً فجائياً
  • قوة قاهرة
  • فعل الغير
  • فعل المتضرر نفسه

فإنه لا يكون ملزماً بالضمان، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك.

كما نصت المادة (250) على حالة خاصة أخرى: من أحدث ضرراً وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو عرضه أو ماله، أو عن نفس أو عرض أو مال الغير، لا يكون مسؤولاً عن ذلك الضرر، بشرط ألا يجاوز قدر الضرورة، وإلا أصبح ملزماً بالتعويض بالقدر الذي تراه المحكمة مناسباً.

وفي جميع هذه الحالات، يقع عبء إثبات سبب الإعفاء على من يتمسك به، أي المدعى عليه في دعوى التعويض.

التعويض في المسؤولية التقصيرية

حدد قانون المعاملات المدنية إطاراً واضحاً لتقدير التعويض عن الضرر الناتج عن المسؤولية التقصيرية:

نوعا الضرر: يشمل الضمان الضرر المادي، ويشمل أيضاً الضرر الأدبي (المعنوي)، الذي تعرّفه المادة (254) بأنه التعدي على الغير في حريته أو عرضه أو شرفه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي أو اعتباره المالي. ويجوز أن يُقضى بالتعويض للزوج والأقربين حتى الدرجة الثانية عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب عجز المصاب أو موته.

أساس التقدير: وفقاً للمادة (255)، يُقدر التعويض في جميع الأحوال بقدر ما لحق المتضرر من ضرر وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار.

طرق التعويض: لا يقتصر التعويض على المبالغ النقدية؛ فقد أجازت المادة (256) للمحكمة أن تأمر بإعادة الحال إلى ما كان عليه، أو أن تحكم بأداء أمر معين متصل بالفعل الضار كصورة من صور التعويض. كما يجوز أن يكون التعويض مقسطاً أو إيراداً مرتباً، مع إمكانية إلزام المدين بتقديم تأمين أو ضمان مقبول، وحق المحكمة في إعادة النظر في تقدير التعويض المقسط أو الإيراد المرتب تبعاً لتغير الظروف والأسعار. كما يحق للمتضرر طلب إعادة النظر في تقدير التعويض إذا تفاقم الضرر لاحقاً.

المسؤولية التقصيرية للمنشآت والشركات

لا تقتصر المسؤولية التقصيرية على الأفراد، بل تمتد لتشمل الشركات والمنشآت عبر أكثر من مسار قانوني:

مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه: وفقاً للمادة (266)، يكون المتبوع مسؤولاً عن ضمان الضرر الناتج عن الفعل الضار الذي يحدثه تابعه، متى وقع هذا الفعل أثناء تأدية التابع وظيفته أو بسببها. وتقوم رابطة التبعية، ولو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه، متى كانت له عليه سلطة فعلية في الرقابة والتوجيه. والمعيار الحاسم هنا ليس ما إذا كان الموظف قد تصرف لمصلحة الشركة أو بدافع شخصي، بل ما إذا كانت الوظيفة قد هيأت له فرصة ارتكاب الفعل الضار.

مسؤولية حراسة الأشياء والآلات: تمتد المسؤولية أيضاً لتشمل من يكون تحت تصرفه أشياء تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها، أو آلات ميكانيكية، إذ يكون ضامناً لما تحدثه هذه الأشياء والآلات من ضرر إلا ما لا يمكن التحرز منه (المادة 271). وينطبق الأمر ذاته على حراسة الحيوان (المادة 269) وحراسة المباني، حيث يُسأل حارس البناء عما يحدثه انهدامه من ضرر، ولو كان انهداماً جزئياً، ما لم يثبت أن الضرر ناتج عن سبب أجنبي لا يد له فيه (المادة 270).

وهذا يعني عملياً أن على المنشآت، خصوصاً في القطاعات ذات التماس المباشر مع الجمهور كالمقاولات والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، أن تنظر إلى أنظمة السلامة والتدريب والصيانة والرقابة الداخلية ليس فقط كمتطلبات تشغيلية، بل كخط دفاع قانوني فعلي يقلل من احتمالية التعرض لدعاوى المسؤولية التقصيرية، أو يخفف من حجم المسؤولية عند وقوعها.

دور iLAW في قضايا التعويض عن الأضرار والمسؤولية التقصيرية

يمتلك مكتب iLAW خبرة متخصصة في دعاوى التعويض المدني بمختلف صورها، من حوادث السير والأخطاء الطبية إلى أضرار المنشآت ومسؤولية أصحاب العمل عن أفعال موظفيهم. ويقوم نهج المكتب على دراسة أركان المسؤولية بدقة، وتوثيق الأدلة والتقارير الطبية والفنية اللازمة، وصياغة مذكرات قانونية تراعي طبيعة كل واقعة على حدة، سواء كان الهدف إثبات المسؤولية والمطالبة بالتعويض العادل، أو الدفاع في مواجهة دعوى تعويض والعمل على نفيها أو تخفيف نطاقها.

إذا كنت تواجه واقعة تسبب ضرراً لك أو لمنشأتك، أو تحتاج لتقييم موقفك القانوني قبل رفع دعوى أو الرد عليها، فإن التواصل المبكر مع فريق قانوني متخصص يبقى الخطوة الأهم لحماية حقوقك.